السيد محمد حسين الطهراني
21
معرفة المعاد
بعدُ ، وحين يتوفّر ذلك الشرط الأخير فيُحكم برم المسمار اللولبيّ فإنّ الساعة ستبدأ بالعمل . كما أنّ جهاز المذياع لا يعمل ولا ينقل لنا خبراً ، وذلك لخلل فنّي فيه ، فهناك سلك مقطوع فيه ، وحين يُعاد وصل ذلك السلك ، فإنّ جميع الأسباب والشرائط ستؤثّر من حيث المجموع في ذلك المفعول ، فيحصل ذلك القصد والنتيجة . هذا هو إذن الله ، أي السُّنة الحتميّة والناموس الذي وضعه بحيث يظهر الأثر تبعاً له ؛ وهذه هي حقيقة تجلّي الله وظهوره وإذنه . فقد كانت في هذا المذياع بحيث إنّ الأسباب والشرائط يجب أن تنظّم بحيث تُبدّل الموجة إلى صوت ، فيمنحُنا صوتاً مسموعاً من جنس الملفوظ . فهذا الصوت - إذاً - هو صوت الله . وليس معنى ذلك أنّه قد جاء بصوت الله من مكان آخر فمنحنا إيّاه في الخارج ، بل إنّ نفس هذا الصوت هو صوت الله وظهور الله ، وقد ظهر بهذه الوسيلة وبهذه الكيفيّة في هذه الآلة . كيفيّة تجلّي نور الحقّ في الشجرة ، ونداء : إِنِّي أَنَا اللهُ لقد كان موسى على نبيّنا وآله وعليه السلام يسير في عمق الصحراء . في ذلك الليل البهيم المدلهم ، وفي الجوّ البارد القارس ، يطلب ناراً لزوجته التي جاءها المخاض وانتابتها آلام الطلق ، وحيداً فريداً لا معين له ولا ناصر ، بلا طعام ولا دواء ، ولا ماء ولا نار ، يسير حائراً هنا وهناك ، قد انقطعت عنه جميع الأسباب ، فحصلت له حالة الاضطرار والالتجاء الحقيقيّ لذا فقد تجلّى نور الله في الشجرة ، فصدر منها نداء : يَا مُوسَى إنِّي أنَا اللهُ . « 1 »
--> ( 1 ) - وردت الآيات القرآنيّة في كلام الشجرة ب - « إنّي أنا الله » في ثلاث سور : الأولى : السورة : طه ، الآيات 9 إلى 14 ؛ وَهَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى ، إذْ رَأَى نَاراً فَقَالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي ءَانَسْتُ نَاراً لَعَلِّي ءَاتِيكُم مِنْهَا بِقَبِسٍ أوْ أجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى ، فَلَمَّا أتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى ، إنِّي أنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ، وَأنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَآ يُوحَى ، إنَّنِي أنَا اللهُ لا إلَهَ إلَّا أنَا فَاعْبُدْنِي وَأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي . الثانية : السورة 27 : النمل ، الآيات 7 إلى 9 : إذْ قَالَ مُوسَى لأهْلِهِ إنِّي ءَانَسْتُ نَاراً سَاتِيكُم مِنْهَا بِخَبَرٍ أوْ ءَاتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ، فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أن بُورِكَ مَن في النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، يَا مُوسَى إنَّهُ أنَا اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . والثالثة في السورة 28 : القصص ، الآيتان 29 و 30 : فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأجَلَ وَسَارَ بِأهْلِهِ ءَانَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي ءَانَسْتُ نَاراً لَعَلِّي ءَاتِيكُم مِنْهَا بِخَبَرٍ أوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ، فَلَمَّا أتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطئِ الْوَادِ الأيْمَنِ في الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أن يَا مُوسَى إنِّي أنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ .